الحكيم الترمذي
18
كيفية السلوك إلى رب العالمين
فإن لم تقف معه رفع لك عن عالم الوقار ، والسكينة ، والثبات ، وعامضات الأسرار ، وما أشكل هذا الفن . فإن لم تقف معه رفع لك عن الحيرة ، والقصور ، والعجز ، وغرائز الأعمال ، وهو عليّ . فإن لم تقف معه رفع لك عن الجنان ، ومراتب درجاته ، وتداخل بعضه في بعض ، وتفاضل نعيمه ، وأنت واقف على طريق صدقه ، ثم أشرف بك على شفير جهنم ومراتب دركاتها ، وتداخل بعضها في بعض ، وتفاضل عذابها . ورفع لك عن الأعمال الموصلة إلى كل واحدة من الدارين . فإن لم تقف معه رفع لك عن أرواح مستهلكة في مشهد من مشاهدهم فيها حيارى سكارى ، قد غلبهم سلطان الوجد ، فدعاك حالهم . فإن لم تقف لدعوتهم رفع لك نور لا ترى فيه غيرك ، فيأخذك فيه وجد عظيم ، وهيمان شديد ، وتجد فيه من اللذة باللّه ، ما لم تكن تعرفها قبل ذلك ، ويصغر في عينيك كل ما رأيته ، وأنت تتمايل تمايل السراج . فإن لم تقف معه رفع لك عن صور بني آدم ، وستور ترفع ، وسدول تسدل ، ولهم تسبيح مخصوص ، تعرفه إذا سمعته ، فلا تدهش فسترى صورتك بينهم ، ومنها تعرف وقتك الذي أنت فيه . فإن لم تقف معه رفع لك عن سرائر الروحانية ، وكل شيء عانيته ، فإذا نظرت إلى كل شيء فسترى جميع ما اطلعت عليه ، وزائد على ذلك ، ولا يبقى علم ولا عين إلا وتشاهده فيه ، فاطلب عينك في كل عالم ، فإذا وقفت عليك فيه عرفت أين غايتك ومنزلتك ومنتهى رتبتك ، وأي اسم صورتك ، وأين حظك من المعرفة والولاية ، وصورة خصوصيتك ، فإن لم تقف معه رفع لك عن أستاذ كل فعل ومعلمه ، فعاينت أثره ، وعرفت خبره ، وشاهدت انتكاسه ، وتلقيه ، وتفصيل مجمله ، من ملك النور الفوقي . فإن لم تقف معه رفع لك عن المحرك ، فإن لم تقف معه محيت ، ثم غيّبت ثم أفنيت ، ثم شخصت ، ثم محيت . حتى إذا نهت فيك آثار المعاصي وأحزانه أثبتت ، ثم أحضرت ، ثم أبقيت ، ثم جمعت ، ثم غيبت ، فخلعت عليك الخلع التي تقتضيها ، فإنه تتنوع ، ثم ترد على مدرجتك ، فتعاين كل ما عاينته أولا مختلف الهوى ، ثم تردّ إلى عالم